في وداع الأم زبيدة...رحيل القلب
رحلت الأم زبيدة ومعها كل الأشياء الجميلة، هذه ليست نظرة تشاؤمية للحياة، بقدر ما هي "نوستالجيا" لتلك الأيام الخوالي التي كنا فيها صغارا والأم زبيدة وزوجها، السي أحمد هبان، يستقبلان أطفال الحي في روضهم "النجاح" بهدف تعليمهم أبجديات القراءة والكتابة. حينها كنت أرى على لوحة وضعها السي أحمد، رحمه الله، بعناية في بهو الروض فوق باب قسم من أقسام هذا الأخير، مكتوب عليها "من جد وجد ومن زرع حصد". كانت هذه العبارة عالقة في ذهني إلى يوم الناس هذا، ولا أعرف وأنا طفل صغير معناها الحقيقي، حتى كبرت وغادرت حيينا من أجل الدراسة وبناء مرحلة أخرى من الحياة.
أتذكر في إحدى فترات الطفولة كيف كان السي أحمد، مسنودا بزوجته "مي زبيدة"، يضع سيارته، من نوع "رونو 12" أو "إر دوز"، أمام بيتنا تحسبا لمخاض قد يأتي لأمي الحامل، بحكم أنه الوحيد الذي كان يملك سيارة في الجزء الشمالي لحينا. إذ كانت سيارته بمثابة "سيارة إسعاف" لنساء الحي، والأم زبيدة هي من تقوم، بشكل عفوي، بالتنسيق بينه وبين النساء بغية معرفة أحوالهن وهل اقتربت فترة المخاض. لم نكن نعرف، بحكم ضعف نضجنا أنداك، بأن الأم زبيدة هي من كانت مولدة تلك الأفكار و "النظريات" التضامنية. كل هذا يعني الشيء الكثير لطفل وشاب يافع ترعرع في إحدى الأحياء الشعبية لمدينة سلا خلال سنوات الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. إذ كانت الأم زبيدة وبيتها وروضها بمثابة عنوان ثابت لأطفال الحي وأسرهم. تستقبل الجميع بابتسامة عريضة، تقوم بدور المساعدة الاجتماعية، إذ كانت تتسامح مع الأسر التي لا قدرة لها على أداء تكلفة الروض بشكل كامل، وتمنح لبعض الأطفال ما يجود به كرمها من خبز وحلوى من صنف "مانت" و "ماكاو"، كما كانت بعض الأمهات يضعن أطفالهن في روض "مي زبيدة" من أجل قضاء أغراضهن الشخصية إلى حين عودتهن. هي لم تكن مجرد إنسانة في حياة أطفال الحي بقذر ما كانت هي الحياة كلها، تمنحهم الاطمئنان والشعور بالدفء. كانت الأم زبيدة ترى فينا أبناءها وبناتها، وتحب "اللمة"، وتتفادى أن تخسر الناس أو أن تتسبب في غضبهم. في يوم من أيام الله زرتها، بعد عودتي من سفر بعيد، بكت لأنني فقط قلت لها لا تخافي على مستقبل أحد أبنائك، كان حينها زوجها السي أحمد قد توفي، فهمت من دموعها معنى أن تقوم امرأة بلعب دور الأب والأم في الوقت نفسه. عطفها على بنتها لالة فاطمة الزهراء، وأبنائها: أسامة، نوفل، وسيم ومعاد تضاعف بعد فقدان الزوج. كنا شهود أن الأم زبيدةكانت السند لزوجها ولأبنائها، لم تبخل عنهم بشيء، وكانت في خدمة ساكنة الحي فما بالك بأسرتها الكريمة. إذ منحت شباب الحي بيتها ليصبح مقرا لجمعية محلية، وفتحت روضها لعقد الاجتماعات التأسيسية لهذه الأخيرة. وعند تنظيم الجمعية لرحلات للأطفال القاطنين بالحي، لمدن الشمال والجنوب، كانت تطل من شرفة بيتها قبل انطلاق الحافلة، وكانت أول من يستقبل الحافلة، من نفس المكان، خلال عودتها، ولسان حالها يقول: "أينك يا السي أحمد لترى أطفال وشباب الحي يتخذون من بيتك وروضك، الذي بنيته وترعرعوا فيه، نقطة الانطلاق والعودة من رحلاتهم الترفيهية".
أصعب ما يمكن أن يكون في هذه الحياة أن تفارق من تحب دون أن تودعه، ودون أن تعلم بموعد رحيله. برحيلك "مي زبيدة" تساقطت مجموعة من الأشياء الجميلة التي عشناها معك، نشكر لك مساهمتك في تربية جيل من جزء جغرافي من هذا الوطن، وحنين الطفولة يردد، كما قال الشاعر فاروق جويدة:
ويحملني الحنين إليك طفلاً
وقد سلب الزمان الصبر مني
وألقى فوق صدرك أمنياتي
وقد شقي الفؤاد مع التمني
غرست الدرب أزهاراً بعمري
فخيبت السنون اليوم ظني
وأسلمت الزمان زمام أمري
وعشت العمر بالشكوى أغني
وكان العمر في عينيك أمناً
وضاع العمر يوم رحلت عني
...
رحمك الله "أمي زبيدة" وألهم أبنائها الصبر والسلوان، و"إنا لله وإنا إليه راجعون".
مصطفى المناصفي
